السيد حيدر الآملي
205
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
والمراد بجاء ربّك ، جاء أمر ربّك ، فيكون تقديره : وجاء ثواب ربك والملائكة صفا صفا ، والوجهان موجّهان وليس فيهما شيء من المفاسد ، مع أن هذا على طريق أهل الظاهر وأرباب الأصول تنزيها للحق من النقائص وتقديسا له من العيوب اللازمة للإمكان والحدوث . وأما على طريق أهل الباطن وأرباب التأويل فلهما معان ، ستعرفها في موضعها إن شاء اللّه . هذا من حيث الدلائل العقلية . وأما من حيث الشواهد النقلية ، فمنها قوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ [ سورة آل عمران : 7 ] . ومنها قول النبي ( ص ) : « ما من آية إلا ولها ظهر وبطن ولكل حرف حدّ ولكل حدّ مطلع » « 11 » . فإن هذين القولين شاهدان على أن التأويل واجب ومع وجوبه مخصوص باللّه والخواص عبيده ، ومدار التأويل وأربابه على هذه الآية والخبر ، فإنهما برهانان قاطعان على صدق دعواهم وسيجيء بيانهما أبسط من ذلك في موضعهما إن شاء اللّه .
--> ( 11 ) عن الصادق ( ع ) : كتاب اللّه على أربعة أشياء : العبارة والإشارة ، واللطائف والحقائق ، فالعبارة للعوام ، والإشارة للخواصّ ، واللطائف للأولياء ، والحقائق للأنبياء . رواه الفيض في المقدمة الرابعة من تفسيره الصافي ج 1 ، ص 19 ورواه أيضا الجيلاني في كتابه بيان الآيات ص 6 . وفيه أيضا عن المجمع : ما من حرف من حروف القرآن إلّا وله سبعون ألف معنى .